عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي
101
روض الرياحين في حكايات الصالحين ( نزهة العيون النواظر . . . )
أسألك باللّه إلا ما دعوت لي أن ألحق من سبقني من أصحابي ، قال : فنظرت الغلام قد لمح بطرفه إلى السماء ، وتكلم بكلمات حرك بها شفتيه ، فعند ذلك لحقني سنة من النوم وأغمي على ، فلم أفق إلا وأنا في وسط الحاج وزميلى يقول لي : يا إبراهيم احذر أن تقع عن الراحلة ، ولم أعرف أصعد الغلام إلى السماء أم نزل في الأرض ، فلما وافينا مكة ودخلت الحرم ، إذا أنا بالغلام وهو متعلق بأستار الكعبة ، وهو يبكى ويقول : تعلقت بالأستار والبيت زرته * وأنت بما في القلب والسر أعلم أتيت إليه ماشيا غير راكب * لأنى على صغرى محب متيم هويتك طفلا حيث لا أعرف الهوى * فلا تعذلونى إنني متعلم وإن كان قد حانت إلهي منيتي * لعلى بوصل منك أحظى وأغنم قال : فأرخى نفسه ووقع ساجدا وأنا أنظر إليه ، فأتيته فحركته ، فإذا هو قد قضى نحبه ، رضي اللّه عنه ، قال : فتأسفت عليه كل الأسف ، ومضيت إلى راحلتي ، وأخذت ثوبا واستعنت بمن يساعدني عليه حتى أواريه ، فأتيت إليه فلم أجده ، فسألت عنه الحجاج فلم أجد من قال : إنه رآه حيا ولا ميتا فعلمت أنه مستور عن أعين الخلق ، وزنه لم يره غيرى ، فأتيت إلى مكاني وغفوت قليلا ، فرأيته في المنام في موكب عظيم ، وهو في أولهم ، وعليه من النور والحلل ما لا أحسن أن أصفه ، فقلت له : ألست صاحبي ؟ فقال نعم ، فقلت له : ألست مت ؟ قال : كان ذلك ، فقلت له : واللّه لقد طلبتك أن أكفنك وأصلى عليك فلم أجدك ، فقال : يا إبراهيم اعلم أن الذي من بلدي أخرجني ، وبحبه شوقنى ، وعن أهلي غربنى هو كفنى وما أحوجني ، فقلت له : ما الذي فعل بك إلهك بعد ذلك ؟ قال : أوقفنى بين يديه ، وقال لي ما بغيتك ؟ فقلت إلهي وسيدي أنت بغيتي ومناي ، فقال لي أنت عبدي حقا حقا ، ولك عندي أن لا أحجب عنك ما تريد ، فقلت : أريد أن تشفعنى في القرن الذي أنا فيه ، فقال : شفعتك فيه ، ثم إنه صافحني ، فاستيقظت بعد المصافحة من منامي وأصبحت وقضيت ما كان على من فرائض الحج ونسكه ، ولم يقر قلبي من ذكر الغلام وتأسفى عليه ، وسرت في جملة الحاج ، فلم أر أحدا إلا ويقول لي : يا إبراهيم لقد أزعجت الناس من طيب رائحة يدك ، وقال بعض المحدثين لهذا الخبر لم تزل رائحة الطيب تخرج من يد